نعم د.العودة.. معًا ضد إرهاب القاعدة صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
بقلم/ أمير سعيد   
الاثنين, 05 أكتوبر 2009

بتلك اللغة التي استخدمها د.سلمان العودة غير المواربة يتمحض الحق، وتخلص النصيحة، ويستبين الطريق للسالكين، وبهذه الطريقة المباشرة في إدانة وتوضيح مخالفة تنظيم القاعدة للسبيل القويم في الأفكار والممارسات والمبررات التي تعبد طريق الدم تكون الوقفة الشجاعة المتصدية لسيل النقد المنهمر والاتهامات المعوْلبة للتشويش على المقال الذي عنونه فضيلته باسم "معًا ضد إرهاب القاعدة"، والتي سيكون منها الاتهام بالتبديل والانتكاس وموالاة الأنظمة، والتساوق مع أجنداتها، وسترفع رايات المناوئين من أشياعهم في المنتديات المشبوهة ومَبَارِكِ الفتن، ومرابض التكفير والسباب والشتائم المسومة على المسلمين بأن "القاعدين" لا يفتون "المجاهدين"، وأنه "عليكم بأهل الثغور" (وهي عبارة بالمناسبة قيلت في زمان ذيوع العلم بين الفاتحين، واستُعملت مؤخرًا ـ كغيرها من العبارات المستخدمة في غير مناطها ـ في زمان تصدُّر الجاهلين).. وستستدعى كل عبارات الرجل التي يرونها غير صحيحة ولو في فقه البيوع للدلالة على كون هذه ليست أول "سقطاته"، وستنقب صفحات اليوتيوب لاستحضار المقاطع الموحية بذلك.. وما إلى ذلك من عريضة الاتهامات التي تبدأ بـ"الطعن في المجاهدين"، وتنتهي بالتكفير، وهو ما حدث بالفعل مع د.العودة وغيره من الناقدين وحتى كاتب السطور.

إن المسألة بالأساس تتعلق بجملة من الحقائق التي لا تجد عادة سبيلاً لمناقشتها بشكل جاد من المصلحين، منها الطريقة التي فهم بها هؤلاء المخدوعون عقيدتهم، واجتراؤهم على كل من يقف بطريقهم ولو كان من أصحاب النوايا الطيبة، ومنها الأزمة الأخلاقية التي يعانيها كثير من فصائل المتدينين أنفسهم، أو بالأحرى من يرجون أو ينسبون أنفسهم إلى عداد المتدينين والمصلحين، سواء كانوا كذلك أم لم يكونوا..

قائمة طويلة، يستطيع المرء أن يصارح أهلها بأن إصرارهم على تفكيرهم ونظرتهم الإقصائية ـ ولو لم تكن تكفيرية ـ ومسالكهم البعيدة في معاملتهم للمخالفين لهم عن مسلك الصالحين، هو آكَد الأسباب المفضية وأقصرها إلى عدم تحقيقهم مآربَهم وغاياتِهم حتى لو كانت شريفة أو مشروعة في أصلها.. بمعنى آخر دقيق، أن هؤلاء لا يطبقون على ذواتهم في كثير من الأمور مما يعالجونه من قضايا ما يطالبون به، بل ما يقاتلون الآخرين من أجله أي الشريعة ذاتها، التي لم تأتِ ليقتل المسلمون إخوانهم وقلة من غيرهم في سبيل تحقيق أهداف ليست راجحة. ولم تأتِ بلَيِّ أعناق الأدلة الشرعية لاتخاذ الذرائع، ولم تأتِ بالكذب في البيانات للادعاء بأن مجمل من قتلتهم من المسلمين هم من "المرتدين" و"أعوانهم" و"الاستخبارات" كما في فندق عمّان وبرج المحيا، ولم تأتِ لتضع البيض في سِلال فريق من الأعداء ضد آخرين، ولم تأتِ لتحتكرها في قلة من المسلمين من دون العلماء وسواد المسلمين، وتُخرج من دائرة الإسلام من تشاء وتنفي عنها من تشاء..

لم تأتِ الشريعة لاختزال شخص النبي صلى الله عليه وسلم في كونه "القتَّال"، واختصار الإسلام في كلمة "الجهاد" ثم قصر هذه الكلمة في تنظيم يتيم يفتقر إلى العلماء والساسة والمفكرين.. إننا بالمناسبة على طول ساعات استماعنا من تسجيلات لقادة التنظيم التي تلت أحداث سبتمبر وحتى اللحظة لم نستمع لكلمات وأحاديث تعبر عن شمولية الإسلام وتدعو إليه كدين رحمة للعالمين.. وحين كان العالم كله يستمع في أعقاب تلك الأحداث لهذه التسجيلات لم نستمع لعبارات تدعو إلى الإسلام وتحبب ملايين المخاطبين فيه، بل لم تستمع الجموع في هذه المناسبات غير المتكررة إلا إلى وعيد وتهديد.

لم تأتِ الشريعة لتنشغل أفرع التنظيم بتصفية المنافسين في العراق والجزائر والصومال، ولم تأتِ لكي لا يراها الناس إلا من مناظير البسطاء وضعاف البصيرة، ويختزلونها في عدد من الحدود متجاهلين الأخلاق التي بُعث ليتممَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

فليقولوا إنهم ليسوا خوارج، فليسوا يكفرون بالكبائر كما يقولون، حسنًا، لن نقابل رَمْيَنَا بالتهم جزافًا بمثلها، ولكن هل يمكنهم أن ينفوا يومًا أنهم قد قتلوا من المسلمين أضعاف من قتلوا من غيرهم، وهل بوسعهم أن يثبتوا أنهم يتوافرون على علماء معتبرين زكَّاهم غيرهم من أقطاب العلم والفقه أم يتصدرون بلا حصيلة ويستشهدون بالأدلة الشرعية على نحو يحسدهم عليه مَن ناظرهم ابنُ عباس رضي الله عنهما ذات يوم!!

فهم من ثقب إبرة يرون العالم الإسلامي من حولهم.. وبذاكرتهم التي حفظت بعض الآيات وبعض الأحاديث ظنوا أنهم قد حازوا مجامع العلم والفقه.. لأنهم ـ كما يحسِبون ـ حماة العقيدة؛ فهم الموكولون بتقسيم الناس وفقًا لآرائهم الفكرية التي هي "العقيدة والشريعة" وسواها هواء!

الفقه دائر في حسهم بين قلة من المغمورين في عالم الراسخين على مدى التاريخ.. والتاريخ مادة للاستدلال والاعتساف والتنزيل على واقع لم يكن ولن يكون.. وجلب المصلحة الوهمية مقدم في قناعتهم على درء المفسدة المتحققة.. وفعل أعلى المفسدتين يُرتكب لدفع أدناهما، وتفويت أعلى المصلحتين يُقترف لفعل أدناهما.. كذا في أصول فقههم الجديد!

ومن بعدُ، لا يجوز للمرء نقدهم ولو جرُّوا على المسلمين المصائب، وأوردونا موارد مُهلكة.. نعم، لن نظلمهم ونحمُّلهم أسباب تخلفنا وضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، ولكننا بالتأكيد لسنا بحاجة للمزيد من الأسباب لزيادة بؤس مشهدنا ووهن قوتنا.. وهم لا يؤمنون بالعصمة لكنهم من حيث لا يدرون يصبغون بها اجتهاداتهم غير المؤصَّلة لا على الصعيد الفقهي ولا السياسي، فمن يقف بوجهها ـ برأيهم ـ طاعن على المجاهدين ورديف المحتلين!!

إن المدعين والمنتسبين لهذا التنظيم والمتحالفين معه أصناف شتى تجمعهم وحدة الطريقة، وتتضافر جهودهم وتلتقي مصالحهم على تأييد بعضهم بعضًا، ولذا من حقنا أن نضعهم بسلة واحدة، ونسألهم أن يا من أفرزتم لنا هذه المجاميع التي لا نعرف كُنْهَهَا ولا ولاءاتها ولا أجندتها، بدءًا بالعراق وانتهاءً بالمغرب العربي مرورًا بلبنان وسوريا واليمن والأردن، بعيدًا عن التقية التي تجعل مجموعتكم الانتحارية في رفح تدعي عدم صلتها بكم وهي تملأ موقعها وأدبياتها بتمجيد زعماء القاعدة، وتتنسم خطواتهم، وتؤخر الإعلان عن ولائها لتنظيمكم من الصومال حتى لحظة معينة، كما في المغرب العربي، ومن قبل العراق.. بعيدًا عن التقية، هل من سبيل لنقرأ سيرة شاكر العبسي ونشأته وعلاقاته بخالد العملة وعلاقاته بشرق الضفة، إذ تمكن الرجل من خداع البسطاء بكلمات عن الجهاد والاستشهاد فلما كانت الكريهة ذاب كما الملح ثم عاد بتوقيت مريب، ثم اختفى مجددًا!! وأدبياتكم تحييه وتمدحه..

وماذا عن جند الشام؟.. من صنعها؟.. ولمن تعمل؟.. ومن حرك دمياتها؟.. وتفجيرات سوريا المقننة عندما كانت في أزمة مع الولايات المتحدة الأمريكية قبل سنوات من دبر لها وخطط؟.. وكيف استقام لرمزها الراحل أن يتحرك في قلب دمشق التي يحكم قانونها بالإعدام على كل من ينتسب لجماعة إسلامية سلمية، قبل أن يقتل الرجل وتدفن أسراره معه؟.. (مثلما قيل عن العبسي وعن عدس في عملية الحريري وغيره).

ولم اختاروا غزة دون الضفة ليطلقوا جهادهم الناصع منها؟!! فيخطفوا الحمساويين ويلقوا قنبلة بالقرب من منزل د.محمود الزهار (قبل أن يفجروا فتنة رفح بشهور)، ومن هم أولئك الذين قفزوا فجأة بأكثر من اسم وفصيل للإيحاء بأنهم كثر ـ تمامًا مثلما فعلوا في العراق تحت مسميات مختلفة ـ ومن هو عبد الرحمن الغزاوي "مهدي الجهاد" المنتظر في غزة؟ ولماذا لم يكن مقدسيًّا لا غزاويًّا لنسمع صليل سيفه والأقصى معلق بالهواء؟! وما الإضافة التي يريدون تحقيقها من استعراض القوى في المساجد من دون الثغور؟!

هذا عن الأطياف الموالية من دون المنتسبة صراحة بقوة، فإذا ما انتقلنا إلى الأصلية لَقُلْنَا: إن "جهاد" القاعدة في العراق الذي بات شيئًا هلاميًا، قد انفرد بقرار تقسيمي مصيري دون الفصائل المقاومة التي ترفضه كلها على اعتبار أنه قد يساهم في مخططات التقسيم الاحتلالية، ودخل مع بعضها في خصومة وقتال أحيانًا، واغتال عددًا من مخالفيه في القوى السياسية السنية، وتنسب إليه العديد من العمليات التفجيرية التي تطال مدنيين في العراق، وفيما سجلت حوادث قتال مع فصائل مقاومة أو بعض قوات الصحوات لم تسجل في المقابل عمليات ضد ميليشيات إيرانية في العراق.

وَلَهَالَنَا جرأة التنظيم على التكفير والقتل بلا اكتراث في المغرب العربي، وهو أمر مفهوم بعد أن ورث التنظيم جماعة كانت لمدة طويلة ضمن جماعات الخوارج (الجيا) ووحدات الاستخبارات (بالمناسبة فرع "القاعدة في المغرب الإسلامي" الذي يقوده التكفيري المعروف درودكال الذي كفر سلفه حطاب عندما خرج من الجماعة لم يقتل أحدًا من غير المسلمين في الجزائر، ولا حتى رؤوس "الطواغيت" مثلما يردد في أدبياته وإنما يقتصر على أبناء الشعب والجيش الجزائري المسلمين).

وَلَوَقَفْنَا طويلاً أمام اهتمام تنظيم القاعدة في اليمن بالسعودية قافزًا فوق أزمة الحوثيين في شمال اليمن، أو تحركات الانفصاليين الجنوبيين المدعومة من جهات أجنبية، والتي وافقتها كلمات تشجيع من زعيم القاعدة في اليمن!!

وإذا كان هؤلاء يقولون إنهم ينتهجون سبيلاً يُعلي من قيمة "السياسة الشرعية" وينطلق منها، فلنطالبهم إذن:

أن حدثونا عن السياسة الشرعية التي تسمح لكم بتعيين أكثر من "أمير للمؤمنين" حول العالم..

وحدثونا كيف تسمح هذه السياسة بإقامة دولة وهمية في جزء من العراق يقودها من لا يعرف الناس؟ ومن يكون؟ ومن ولاه؟ وعلى أي أساس ساد؟... الخ

وحدثونا عنها كيف تستثني إيران وسوريا من "جهادها" في البلدان الإسلامية؟ وكيف أدارت صراعها مع حماس بدلاً من اليهود في فلسطين؟، ولماذا قضت تلك السياسة أن يحجم البعض عن الدفاع عن غزة عامدًا حين دقت ساعة الحقيقة، ثم اكتفى بإقامة دولة في عدة أمتار مربعة عندما هدأت الأمور؟! ولماذا اختاروا غزة دون غيرها ما داموا ليسوا خوارج؟..

وحدثونا عنها كيف تسمح لتنظيم أن يبقى كما هو داخل دولة طالبان الأولى دون أن ينخرط في صفوفها؟ وكيف استقام له أن يتخذ قراراته منفردًا عنها؟ ثم كيف لم نسمع له ركزًا بعد الاحتلال بدعوى أنه الآن قد انخرط مع طالبان؟!!

وحدثونا كيف سمحت تلك السياسة "الشرعية" أن يغازل الحراك الجنوبي باليمن، وقادته من اليسار، ويصمت عن الحوثيين، ويقصر "جهاده" على السعودية وسياح كوريا وغيرها؟..

وحدثونا عنها كيف بررت ذبح الشيوخ ورجال الفصائل المقاومة في العراق؟ وكيف استدارت على الحزب الإسلامي من دون الميليشيات الموالية لإيران؟..

وحدثونا: لِمَ يشكو منها معظم فصائل المقاومة في فلسطين والعراق وحتى رفقاء السلاح في كيسمايو الصومالية؟!!

وحدثونا عنها كيف مكنت التنظيم من إطلاق صواريخ الكاتيوشا من جنوب لبنان الآن؟ ومن أفسح لها المجال، ومن منعها إبان العدوان على غزة؟

وحدثونا عنها كيف تطلق بنادقها الإعلامية على صفحات الانترنت لتنال من كل عالم يخالفها وينقدها، وتقهر كل معارض لها من دون التيارات غير الإسلامية؟ وكيف سمحت لها تلك السياسة باستعداء الأقرب فالأقرب دون الأباعد والمحاربين..

حدثونا عنها إذ تعمل على التفريق بين المكتب السياسي لحماس وكتائب القسام والتسويق دومًا لشائعات الاختلاف والتدابر فيما بينهما.. ولمصلحة من تقوم الآلة الإعلامية الموازية للتنظيم بذلك؟..

وحدثونا عنها كيف تسمح بعلاقة بين بعض الفصائل التي لا تتبرأ منها القاعدة صراحة حين تنسب نفسها لخطها والدايتونيين وتيار دحلان ورجال المقاطعة برام الله؟.

وحدثونا عن تلك السياسة حيث تسمح بتكفير الحزب الإسلامي في الصومال وتقاتله من بعد تكفير الرئيس شيخ شريف لأنه قبل أن يصوت البرلمان عن الشريعة ويقر ذلك..

وأنبئونا عن الهدنة التي يعرضها الزعماء في تسجيلاتهم على الولايات المتحدة ويرفضونها في رمضان بالصومال لأنه شهر "الجهاد"..

وحدثونا عنها كيف تسمح بأن تحول "جهادها" كلامًا أجوف حين يتعلق الأمر بإيران وميليشياتها في العراق وبطشها بالسنة في إيران، وكيف يرفض نظيره من الزعماء الذين يلتحفون بكلمات الإدانة في مؤتمراتهم، ثم لا يكون البأس إلا في بلاد عربية تريد إيران تقويضها؟..

إنها تساؤلات كنموذج من أخريات غيرها تلحُّ على الأذهان، تجعلنا مدعوين لقدر كبير من المكاشفة، ما دام العلماء لا يرضَوْن عما يفعل هؤلاء، ولا يجد الساسة المخلصون ما يصنعونه مفضيًا إلا إلى مزيد من التراجع والتقهقر، والأهم أن دماءً محرمة تسيل، وأرواحًا معصومة تُزهق، وأغرارًا يخدعون ويتصدرون المشهد، ويدفعون فاتورة المسرفين، يتزنرون بعبواتهم ويتمنطقون بأحزمتهم مندفعين باسم الجهاد فيما يفتقر عملهم لدليل، والأبأس أن يسطِّروا بدمائهم حروفًا في أجندة من لا يريدون للأمة المسلمة الخير، ولو كانت نوايا المراهقين صادقة وحميتهم متَّقدة.. هؤلاء هم الوقود الذي لابد أن ينقطع لا عن الجهاد وإنما عن العبث باسمه بل واختطافه..